عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دَوْحَة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جِرَابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مِرارا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يُضَيِّعُنَا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدَّعَوَات، فرفع يديه فقال: {رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يشكرون} [إبراهيم: 37]. وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقَاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يَتَلَبَّطُ- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. فَهَبَطَتْ من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَفَ دِرْعِهَا، ثم سعَت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صَهْ -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعَتْ، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غَوَاث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِفُ من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تَغْرِفُ. وفي رواية: بقدر ما تَغْرِفُ. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تَغْرِفُ من الماء - لكانت زمزم عَيْنًا مَعِينًا» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعَةَ فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كَالرَّابِيَةِ، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُم، أو أهل بيت من جُرْهُم مقبلين من طريق كَدَاءَ، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرا عائِفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم؛ فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فَألْفَى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس» فنزلوا، فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات، وشَبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شَبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم: وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل؛ فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا - وفي رواية: يصيد لنا - ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة؛ وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جَهْد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عَتَبَةَ بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك! الْحَقِي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي رواية: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد؛ فقالت امرأته: ألا تنزل، فتطعم وتشرب؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم: بركة دعوة إبراهيم. قال: فإذا جاء زوجك فَاقْرَئِي عليه السلام مُرِيِهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العَتَبة، أمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلًا له تحت دَوْحَةٍ قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك؟ قال: وَتُعِينُنِي، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا، وأشار إلى أكَمَة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {ربنا تَقَبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. وفي رواية: إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، معهم شَنَّةٌ فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشَّنَّة فَيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعها تحت دَوْحَة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كَدَاءَ نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، فرجعتْ وجعلتْ تشرب من الشَّنَّة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدا، فلم تحس أحدا، فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تُقِرَّهَا نفسها فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أَغِثْ إنْ كان عندك خير، فإذا جبريل فقال بِعقِبِهِ هكذا، وغمز بِعقِبِهِ على الأرض، فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تَحْفِنُ ... وذكر الحديث بطوله".
[صحيح.] - [رواه البخاري.]

الشرح

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بأم إسماعيل هاجر القبطية -التي وهبها ملك مصر لزوجته سارة- وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند الكعبة، عند شجرة كبيرة ثابتة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد من الإِنس، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما وعاء من جلد فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ولّى منطلقًا إلى الشام، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء مما يؤكل ويشرب؟ فقالت له ذلك مرارًا، ولا يلتفت إليها، وانصرف إلى طريقه، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت إلى ابنها؛ فانطلق إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة عند الحجون حيث لا يرونه استقبل بوجهه موضع البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي) بعضهم (بواد غير ذي زرع) وهو مكة، وكونها كذلك ليتم التفرغ فيها للعبادة، (عند بيتك المحرم) الذي حرم عنده الصيد وقطع الشجر والمقاتلة (ربنا ليقيموا الصلاة) بمكة (فاجعل أفئدة من الناس) أي: قلوبهم (تهوي) أي: تسرع (إليهم) شوقاً (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) نعمتك، وقد استجاب الله دعاءه. وجعلت أم إسماعيل ترضعه، وتشرب من ذلك الماء، وتأكل من ذلك الثمر؛ حتى إذا نفد وانتهى ما في السقاء من الماء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو كذلك، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها في الأرض؛ فقامت عليه، ثم استقبلت مكة تنظر هل ترى أحداً؟ فلما بلغت الوادي المسيل وفيه انخفاض امتنع به رؤيتها لولدها فخافت عليه فأسرعت وسعت سعي الذي أصابته المشقة، وأتت المروة أي: بعد تركها السعي وعودها لعادتها قبل وصولها الوادي، فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت لنفسها: اسكتي، تريد من نفسها الإنصات، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت فاغثني. فإذا هي بالملك جبريل عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أي مؤخر قدمه، -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تجعله مثل الحوض، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو ينبع بشدة بعد ما تغرف -وفي رواية: بقدر ما تغرف- قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: رحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا. يعني جاريًا على ظاهر الأرض. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الهلاك؛ فإن هاهنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله؛ فلا تغرقه السيول، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من قبيلة جُرْهم، مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرًا يحوم في الجو، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا رسولًا أو رسولين يستطلعان، فإذا هم بالماء فرجعا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لاحق لكم في الماء. أي: بل الحق فيه مختص بي، فإن شئت منحت وإن شئت منعت. قالوا: نعم، فوافق ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس وتكره الوحشة. فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فجاءوا فنزلوا معهم؛ حتى اجتمعوا وكثروا وشبّ إسماعيل، وتعلم العربية منهم، و كثرت رغبتهم فيه، وأعجبهم حتى كبر ونشأ، فلما بلغ الحُلم زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يتفقد حال ما تركه؛ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه أين هو؟ فقالت: خرج يطلب لنا رزقًا بالصيد، ثم سألها عن عيشهم من الطعام والشراب وعن حالتهم؟ فقالت: نحن بِشرٍّ، وفي ضيق من المعاش وشدة منه، وشكت إليه. فلما رأى مزيد التبرم وشدة الضجر مما ابتلاها الله -تعالى- به زيادة في الدرجات خشي أن يسري حالها إلى ولده فيقع في مثل حالها فأمره بفراقها، فقال إبراهيم: فإذا جاء زوجك أبلغيه سلامي، وقولي له يغير عتبة بابه. كناية عن طلاق امرأته؛ لأن المرأة تلازم البيت كملازمة العتبة للبيت، فلما جاء إسماعيل من صيده كأنه أحس شيئاً؛ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ موصوف بكذا؛ فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في مشقة وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاكِ أبي وقد أمرني بتغيير عتبة الباب: أن أفارقك، الحقي بأهلك. وهو من كنايات الطلاق، لكنه صرح به بقوله فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجد إسماعيل؛ فدخل على امرأته؛ فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا -وفي رواية فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب- قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وحالهم فقالت: نحن بخير وسَعة. وحمدت الله -تعالى-. فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم. قال: فما شرابكم. قالت: ماء زمزم أوهو وغيره من باقي المياه كماء مطر. فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن لهم يومئذ أي نوع من الحبوب، ولو كان لهم دعا لهم فيه؛ لتعمه البركة بدعائه. قال ابن عباس -رضي الله عنه-: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه مزاجه، ويشتكي من بطنه. قال إبراهيم: فإذا جاء زوجك من الصيد، فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يثبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل من الصيد كأنه أحس شيئاً -كما جاء في رواية وجد ريح أبيه- فقال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه ذاكرة بعض أوصاف كماله، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أديم عصمتك. ثم لبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يصلح سهما قبل أن يُركِّب فيه نصله وهو تحت شجرة بقرب زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من العناق والمصافحة. قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله -تعالى- أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله -تعالى- أمرني أن أبني بيتًا ها هنا، وأشار بقوله ها هنا إلى تل، وقيل شرفة مرتفعة على ما حولها من الأرض، وكانت السيول لا تعلوها، فعند ذلك رفع إبراهيم الأساس من البيت، ورفع البناء عليها، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم على المقام ينزل منه لأخذ الحجر من إسماعيل، ثم يعلو به فيضعه محله من البناء، حتى إذا ارتفع البناء جاء بحجر المقام؛ فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت، كان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا) بناء البيت (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) ببناء البيت. وفي قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية، وأنها قبل إبراهيم -عليه السلام- لكن إسماعيل أول من نطق باللغة العربية المبينة، كما في الحديث "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة". رواه الشيرازي في الألقاب وصححه الشيخ الألباني.

الترجمة: الإنجليزية البوسنية الروسية الصينية الفارسية
عرض الترجمات
الكلمة المعنى
- بأم إسماعيل اسمها هاجَر، وهي قبطية وهبها لسارة ملك مصر الذي أراد سارة فحفظها الله -تعالى- منه.
- الدوحة الشجرة الكبيرة.
- البيت الكعبة.
- جرابًا وعاء من الجلد.
- السِقَاءُ إناء يكون للماء واللبن.
- قَفَّى وَلَّى وذهب.
- الثَّنِيَّة الطريق في الجبل وكانت عند الحجون.
- يَتَلَبَّط يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض.
- أكَمَة تل، وقيل: شرفة كالرابية وهو: ما اجتمع من الحجارة في مكان مرتفع واحد.
- الشِّنَّة هي الجلدة البالية، والمراد هنا السقاء.
- يغيِّر عَتَبَة بابه كناية عن طلاق امرأته، وكنى عن المرأة بعتبة الباب لما فيها من حفظ الباب وصون ما في داخله وكونها محل الوطء.
- يَنْشَغُ يَشْهَق.
- زمزم هي البئر المباركة المشهورة، تقع جنوب شرق الكعبة.
- أشرفت علت.
- يدرّ لبنها يكثر.
- كَدَاء العقبة الصغرى بأعلى مكة.
- فبحث بعقبه حفر بمؤخرة قدمه.
- تَحْفِن تملأ كفها.
- درعها قميصها.
- الْجَرِيّ الرّسول.
- جَهْد مشقة.
- المجهود الذي أصابه الجَهْد أي المشقة.
- صه اسكتي.
- تُحَوِّضُهُ تجعله مثل الحوض.
- يَبْرِي نَبْلًا يُصلِح سهمًا قبل أن يركِّب فيه نصله وريشه.
- عَيْنًا مَعِينًا ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض.
- الضَّيْعَةَ الهلاك.
- جُرْهُمٍ قبيلة قحطانية، هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وسكنت مكة.
- طائرًا عائِفاً الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه.
- أنْفَسَهُمْ من النفاسة والجودة، أي: كثرت رغبتهم فيه.
- ألْفَى وجد.
- شَبَّ كبر ونشأ.
- أدرك بلغ الحلم.
- يطالع تركته يتفقد حال ما تركه.
- آنس أحسّ.
1: استحباب استقبال القبلة حال الدعاء؛ فقد استقبل إبراهيم -عليه السلام- البيت ودعا.
2: في قوله (ربنا ليقيموا الصلاة) تحريض للمقيم بمكة على عبادة المولى، والإِعراض عن أعراض الدنيا فإنها حينئذ تنقاد له.
3: الحث على التوكل على الله والتضرع إليه، ومن توكل على الله كفاه، ومن فوض إليه أمره وقاه.
4: مبادرة الأنبياء لطاعة ربهم، والتضحية من أجل مرضاته بأولادهم وأزواجهم.
5: أن ماء زمزم طعام طعم؛ حيث كان طعام أم إسماعيل وابنها.
6: فيه بيان للحكمة من السعي في مناسك الحج.
7: شدة فراسة العرب؛ حيث استدلوا على وجود الماء بتعاقب الطير على مكانه.
8: في قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية.
9: فيه استحباب مفارقة من لا صبر لها عند تعاور الشدائد.
10: فيه بر الوالد وتنفيذ أمره والمسارعة إليه.
11: وقوع الطلاق بالكناية يعني باللفظ غير الصريح لقول إبراهيم يغير عتبة بابه، وفسرها إسماعيل بالطلاق.
12: كراهية التضجر من حال العيش، واستحباب شكر المنعم على كل حال.
13: مسئولية الوالد عن أولاده وتفقده لهم.
14: من أساليب الدعوة الكناية.

صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، 1422ه. كنوز رياض الصالحين، تأليف: حمد بن ناصر بن العمار، الناشر: دار كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى: 1430 هـ. بهجة الناظرين، تأليف: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م. رياض الصالحين، تأليف: محيي الدين يحيى بن شرف النووي ، تحقيق: د. ماهر بن ياسين الفحل، الطبعة: الأولى، 1428 هـ. دليل الفالحين، تأليف: محمد بن علان، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت. تطريز رياض الصالحين للشيخ فيصل المبارك، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله آل حمد، دار العاصمة، الرياض، 1423 هـ. صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي.