عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن ناسًا من المُصَدِّقِينَ يأتوننا فيظلموننا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرضوا مُصَدِّقِيكُم» قال جرير: ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عني راض.
[صحيح] - [رواه مسلم]

الشرح

روى جرير بن عبد الله أنه جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَشْكُونَ إليه أن ناسًا من السُّعاةِ الذين يُرسَلون لأخذ الصدقات يظلمونهم، ولا شك أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا، ولذلك نسبوا الظلم إلى مصدقي النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ما كان يستعمل على ذلك إلا أعلم الناس وأعدلهم، لكن لجهل الأعراب بحدود الله ظنوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: أرضوا مُصَدِّقِيكُم، ببذل الواجب، وملاطفتهم، وترك مشاقتهم، وهذا كله ما لم يطلبْ جورًا بالفعل، فإذا فعل فلا موافقة له ولا طاعة. فأخبر جرير رضي الله عنه أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب، ولاطفه في القول. وإنما سلك النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء هذا الطريق دون أن يبين لهم أن ذلك الذي أخذه المصدقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقرير، وقد لا يفهم ذلك أكثرهم، وأيضًا ليحصل منهم الانقياد الكلي بالتسليم وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}، والله تعالى أعلم.

الترجمة:
عرض الترجمات

معاني الكلمات

المُصَدِّقِينَ:
عمال الزكاة الذين يستوفونها من أربابها.
يأتوننا فيظلموننا:
يأخذون منا أكثر مما هو مطلوب.
أرضوا مصدقيكم:
أرضوهم ببذل الواجب وبملاطفتهم.
صدر عني:
رجع من عندي.

الفوائد

  1. بيان وجوب إرضاء الساعي في الصدقة، وإن ظن رب المال أنه يظلمه، وهذا محمول على ما إذا كان المصدق معروفًا بالورع، لا يظلم الناس، ولكن صاحب المال لحرصه ظن أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب فلا يجب إرضاؤه.
  2. بيان أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يظن أحيانًا المصدِّقَ ظالمًا له، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإرضاء المصدق؛ لأنه لا يظلم، حيث إنه صلى الله عليه وسلم لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقي كرائم أموال الناس.
  3. بيان فضل جرير بن عبد الله، وكذلك سائر الصحابة رضي الله عنهم حيث إنهم إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا بادروا إلى امتثاله، واستمروا عليه حتى يموتوا.
  4. أهمية التسليم والطاعة وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله.
  5. مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الآخرين، فيعامل كل واحد بحسبه.
المراجع
  1. صحيح مسلم (2/ 685) (989)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (19/ 190)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 134)، النهاية في غريب الحديث والأثر (511).